عمر فروخ
735
تاريخ الأدب العربي
* أصبحت لا أنا في الزّهّاد منقطع * حقّا ، ولا كاسب أغدو إلى السوق « 1 » : مثل النّعامة لا طير فتلحقها * مع الطيور ولا تحدى مع النّوق « 2 » . * دفعت إلى الزمان غراب بين * فعوّضني الزمان به حماما « 3 » . فإن يكن الغراب جنى اغترابا ، * فقد جلب الحمام لنا حماما « 4 » . ضحكنا ، وكان الضّحك منّا سفاهة . * وحقّ لنا ، أهل البسيطة ، أن نبكي ، ألم تر أنّ الموت حقّ وأنّنا * سنحيا لملك أو سنحيا إلى هلك « 5 » ؟ هل المرء إلّا كالزّجاجة كلّما * تخلّلها صدع أعيدت إلى السّبك « 6 » ؟ أمّا فنونه فهي الزّهد والحكمة والرّثاء . ويبدو أنّه كان مكثرا من النظم والنثر والترسّل ( في أيام خدمته في ديوان أحد الأمراء ) ولكنّه أتلف ما كان قد أنشأ من الرسائل ونظم من الشعر . ومع ذلك فقد حفظ من شعره جانب غير قليل . وكذلك كان أبو بكر بن قسّوم مصنّفا في الزهد والتصوّف ورجالهما ، له : محاسن الأبرار في معاملة الجبّار « 7 » - النّبذة المشتملة على شذور المنظوم والمنثور ( لعلّ هذه النبذة هي التي كان ابن قسّوم قد أتلفها ) .
--> ( 1 ) منقطع ( لا يعمل عملا آخر ) . الكاسب : الذي يسعى لكسب رزقه . غدا : ذهب في الصباح . ( 2 ) تلحقها ( أنت ) : تنسبها إلى الطير ، تعدّها في الطيور . تحدى ( تساق ) . النوق جمع ناقة . ( 3 ) غراب بين ( فراق ) : شعر أسود كالغراب من المعروف أنّه سيبين ( سيبتعد ) : سيصبح بعد سواده أبيض . حمام ( كناية عن الشعر الأبيض ) . ( 4 ) إذا كان الشعر الأسود لمّا جاء إلى رأسي جاء ومعه التهديد بالاغتراب ( بالهجر ، بالذهاب ) ، فإنّ الحمام ( بفتح الحاء : اللون الأبيض في الشعر ) جاء ومعه نذير بالحمام ( بكسر الحاء : الموت ) . ( 5 ) البيتان الأوّل والثالث تزييف لبيتي أبي العلاء المعرّي : ضحكنا وكان الضحك منّا سفاهة * وحقّ لسكّان البريّة أن يبكوا . يحطّمنا ريب الزمان كأنّنا * زجاج ولكن لا يعاد له سبك . * وللسبك عاد كسير الزجاج * ولا يسبك الدرّ إذ ينكسر ، الخ . ( 6 ) الهلك : الهلاك . سنحيا لملك ( ؟ ) . ( 7 ) الصدع : الشق ( بالفتح ) . ( 8 ) الأبرار جمع بارّ : الرجل العابد الزاهد ( والكثير الطاعة للّه والرحيم بأهله ) . الجبّار ( من أسماء اللّه الحسنى ) . راجع تاج العروس ( الكويت 10 : 154 ) .